محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
مقدمة 56
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ومؤدّى هذه الفكرة التفريق بين فئتين يشتركان في مساحة ويفترقان في مساحة أخرى ، « وحكم الشريعة مبني على موضع الاشتراك ، وحكم القيامة مبنيّ على موضع الافتراق . » التفريق بين المؤمنين والمنافقين . لكن الأنبياء ربّما حكموا بأحكام القيامة ، « كما حكم داود - عليه السلام - بثلاثة أحكام من أحكام القيامة ، وحكم موسى في السامري وأصحابه بأحكام القيامة ، إذ لم يقتل قومهم حتّى قتلوا أنفسهم ؛ وجرى في عيسى من أحكام القيامة كثير ؛ وكذلك في القرآن أحكام كثيرة من أحكام القيامة . قال اللّه تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ . وقد أمر - عليه السلام - يوم الفتح بقتل جماعة هم أحد عشر نفسا . قال : « اقتلوهم وإن رأيتموهم متعلّقين بأستار الكعبة » ؛ فهرب بعضهم وتوارى واختفى بعض ، وتشفع في بعض ، وقتل بعض ؛ وكثير من المنافقين لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالّون ؛ ومن المنافقين من أظهر حاله لحذيفة بن اليمان ؛ ومنهم من أظهر حاله بحبّ عليّ وبغضه ، فقال : « لا يحبّك إلّا مؤمن تقيّ ولا يبغضك إلّا منافق شقيّ » . ومنهم من أخفى حاله غاية الخفاء ، يعاشره معاشرة الوليّ الحميم : فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وحديث : « بئس أخو العسيرة ونعم أخو العشيرة » ، معلوم مشهور . » « 1 » وبفكرة التضادّ هذه يفسّر الشهرستاني كثيرا من أحداث التاريخ في عصر النبوّات وفي عصر النبوّة الخاتمة ، وكثيرا من نصوص القرآن والسنّة . وأمّا « الترتّب » فيقوم على فكرة تفاضل الناس في مراتبهم ، ولعلّ مؤدّى هذه الفكرة هو التأكيد على علوّ مرتبة الأنبياء والأولياء وتفوّقهم على غيرهم من البشر ، وأنّ العقول متفاوتة في تلقّي رسالة الأنبياء « وليس كلّ إنسان يستعدّ لكلّ علم ، وإنّما العلم بمقادير العقول واستعداداتها للأنبياء - عليهم السلام - » « 2 » كما يمكن أن يكون مؤدّاها الردّ على من قال إنّ البشر متساوون في قدرتهم العقلية على إدراك الحسن والقبح ، وهو رأي المعتزلة . « 3 » والترتّب والتفاضل من عناصر الحياة ، والتساوي لا يوجد إلّا في المقابر « فلا يكون
--> ( 1 ) . الورقة 78 آ ، ب . ( 2 ) . الورقة 273 آ . ( 3 ) . انظر : علم الكلام ( أبو الوفا التفتازاني ) ص 156 - 157 .